الكرسي الفاضي
في آخر القاعة، كان فيه كرسي فاضي دايمًا.
لا حد كان بيسأل ليه فاضي،
ولا حد كان مهتم يعرف صاحبه مين.
بس “آدم” كان عارف.
وعمره ما نسي.
آدم شاب عادي جدًا، من الناس اللي ممكن تعدّي جنبك في الشارع من غير ما تاخد بالك منهم. ملامحه هادية، صوته واطي، ودايمًا حاسس إنه زيادة عن اللزوم في أي مكان.
كان بيحب القعدة لوحده، مش لأنه انطوائي، لكن لأنه اتعود إن مفيش حد بيفضل.
من وهو صغير، كان دايمًا الشخص اللي يتنسي.
في المدرسة، المدرس بينسى اسمه.
في البيت، طلباته بتتأجل.
وفي الصحاب… كان دايمًا آخر اختيار.
أقرب شخص ليه في الدنيا كانت أمه.
ست بسيطة، كل همها إن ابنها يعيش أحسن منها.
كانت بتقول له دايمًا:
“يا ابني ربنا شايلك حاجة حلوة… بس اصبر”.
وآدم كان بيبتسم.
مش لأنه مقتنع،
لكن لأنه مش عاوز يكسر خاطرها.
كبر آدم،
وكبرت معاه الخيبات.
دخل كلية مش حاببها،
اشتغل شغلانة مش شايف نفسه فيها،
وكل يوم كان بيصحى بنفس السؤال:
“أنا بعمل إيه هنا؟”
في الشغل، كان الكرسي اللي جنبه فاضي دايمًا.
في الأول قالوا إن الموظف اللي كان قاعد عليه ساب الشغل.
بعدها قالوا هيوظفوا حد.
والحد ده عمره ما جه.
الكرسي بقى رمز.
فراغ ساكت،
زي الفراغ اللي جواه.
في يوم، دخلت “مريم” الشركة.
مش أجمل بنت في المكان،
بس ضحكتها كانت بتدخل القلب من غير استئذان.
قعدت قدام آدم،
وبعد شوية قالت له:
“إنت ساكت ليه كده؟”
اتلخبط.
محدش كان بيسأله السؤال ده قبل كده.
ابتسم وقال:
“متعود”.
ومع الأيام،
بقى الكلام يزيد،
والضحك يبقى أعلى،
وآدم حس لأول مرة إن فيه حد شايفه.
كان بيستنى الشغل يخلص علشان يمشي معاها.
كان بيصحى بدري علشان يشوفها.
وكان بيخاف…
يخاف كل ده يخلص فجأة.
وفي يوم،
وهو ناوي يعترف،
لقى مريم متغيرة.
ساكتة.
مش بتبص له.
وفي آخر اليوم، قالت له بهدوء:
“أنا اتقبلت في شركة تانية… ومش همشي غير لما أقولك”.
هز راسه،
ابتسم،
وقال:
“مبروك”.
رجع بيته،
قعد على السرير،
وبص للسقف.
ولا دمعة نزلت.
كان وجع تقيل…
أكبر من البكاء.
تاني يوم،
الكرسي اللي قدامه بقى فاضي.
زي ما كان.
عدت شهور.
أمه تعبت.
تعب دخلها المستشفى.
وآدم كان بيجري بين الشغل والمستشفى،
وحاسس إن الدنيا كلها بتضغط عليه.
وفي ليلة،
أمه مسكت إيده وقالت:
“متبقاش زينا… متستناش حد يختارك”.
بعدها بأيام،
ماتت.
البيت بقى هادي زيادة عن اللزوم.
الذكريات في كل حتة.
وصوتها في ودنه.
قرر يستقيل.
الناس استغربت.
قالوا له مجنون.
بس هو كان لأول مرة حاسس إنه بيختار نفسه.
بدأ من الصفر.
كتب،
تعلم،
وقع،
قام.
اشتغل شغل حر.
كسب قليل.
خسر كتير.
بس كمل.
بعد سنتين،
رجع نفس الشركة…
مش موظف.
رجع محاضر.
واقف قدام ناس،
بيحكي عن الفشل،
عن الانتظار،
عن الكراسي الفاضية.
وفي آخر القاعة،
كان فيه كرسي فاضي.
آدم بص له،
وابتسم.
قال:
“الكرسي ده كان صاحبي زمان… علمني إن الفراغ مش دايمًا خسارة… ساعات بيكون مساحة نكبر فيها”.
وهو نازل،
شاف مريم.
ابتسمت.
قالت:
“فخورة بيك”.
رد بهدوء:
“وأنا كمان”.
طلع من القاعة،
والكرسي فضل فاضي…
بس المرة دي،
مش موجع.
---
✨ مغزى القصة
> مش كل فراغ نقص،
ومش كل انتظار ضعف،
أحيانًا الكرسي الفاضي…
هو المكان اللي بتبتدي فيه حكايتك.
